عمر فروخ
513
تاريخ الأدب العربي
أيّها الناس : إني ، واللّه ، ما أنا بالخليفة المستضعف « 1 » ، ولا بالخليفة المداهن « 2 » ، ولا بالخليفة المأفون « 3 » . فمن قال لنا برأسه كذا ، قلنا له بسيفنا كذا ! - بعد مقتل مصعب بن الزبير ( سنة 71 ه ) دخل عبد الملك بن مروان الكوفة ثم خطب في أهلها فقال : أيها الناس : ان الحرب صعبة مرّة ، وان السلم أمن ومسرّة . ولقد زبنتنا « 4 » الحرب وزبنّاها فعرفناها وألفناها ، فنحن بنوها وهي أمّنا . أيها الناس : ( ألا ) فاستقيموا على سبل الهدى ودعوا الأهواء المردية « 5 » ، وتجنّبوا فراق « 6 » جماعات المسلمين ، ولا تكلّفونا أعمال المهاجرين والأنصار « 7 » - وأنتم لا تعملون أعمالهم . ولا أظنّكم تزدادون بعد الموعظة إلا شرّا ، ولن نزداد بعد الإعذار إليكم والحجّة عليكم « 8 » إلّا عقوبة . فمن شاء أن يعود بعد لمثلها فليعد « 9 » . فإنما مثلي ومثلكم كما قال قيس بن رفاعة الأنصاري « 10 » : . . . أنا النذير لكم مني مجاهرة * كيلا ألام على نهي وإعذار . فإن عصيتم مقالي اليوم فاعترفوا * أن سوف تلقون خزيا ظاهر العار .
--> ( 1 ) عثمان بن عفان . المستضعف : الذي يطمع به الناس ثم يتغلبون على ارادته . ( 2 ) معاوية بن أبي سفيان . المداهن : الذي يتملق أصحاب الحق والقوة حتى يصرفهم عما عزموا عليه . المداهنة : الغش ، اظهار المرء غير ما يبطن . ( 3 ) يزيد بن معاوية . المأفون : الضعيف الرأي والعقل ، الذي يتمدح بما ليس عنده . ( 4 ) زبنتنا الحرب : دفعتنا ( عن النصر ) - انهزمنا فيها مرة وانتصرنا فيها مرة . ( 5 ) المردية : المهلكة . ( 6 ) فراق : مفارقة ، مخالفة . - لا تخرجوا عن إجماع الأمة الاسلامية . ( 7 ) لا تنتظروا منا أن نعمل مثل اعمال المهاجرين والأنصار ( راجع فوق ، ص 237 - 238 ) من الحق والعدل ، فلسنا نحن مثلهم ولا أنتم مثلهم . ( 8 ) أعذر : أبدى عذره ، ( أبدى وجهة نظره سلفا وحذر من عواقب الأمور ) . . . . بعد الحجة عليكم : بعد إقامة الحجة من شخص على آخر ( بعد تبيان أوجه القضية وموافقة الخصم على أحد تلك الأوجه ) . ( 9 ) - ( قد خالفتمونا ثم رأيتم عقابنا لكم ) فمن شاء أن يعود إلى مخالفتنا فليفعل ( فسنعود إلى مثل عقابنا لمن خالفنا ) . ( 10 ) قيس بن رفاعة الأنصاري أو الواقفي من بني واقف بن امرئ القيس بن مالك بن الأوس ، شاعر مخضرم ( معجم الشعراء ، القاهرة ، دار احياء الكتب العربية ، 1379 ه - 1960 م ) ، ص 197 .